ابن كثير
159
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
سوداء فقال لها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « أين اللّه ؟ » . قالت : في السماء . قال « من أنا ؟ » قالت : رسول اللّه . قال « أعتقها فإنها مؤمنة » الحديث بطوله . فهذه خصال ثلاث في كفارة اليمين ، أيها فعل الحانث أجزأ عنه بالإجماع ، وقد بدأ بالأسهل ، فالأسهل فالإطعام أسهل وأيسر من الكسوة ، كما أن الكسوة أيسر من العتق ، فترقى فيها من الأدنى إلى الأعلى ، فإن لم يقدر المكلف على واحدة من هذه الخصال الثلاث كفر بصيام ثلاثة أيام ، كما قال تعالى : فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ . وروى ابن جرير عن سعيد بن جبير والحسن البصري ، أنهما قالا : من وجد ثلاثة دراهم لزمه الإطعام وإلا صام ، وقال ابن جرير حاكيا عن بعض متأخري متفقهة زمانه أنه جائز لمن لم يكن له فضل عن رأس مال يتصرف فيه لمعاشه ، ومن الفضل عن ذلك ما يكفر به عن يمينه ، ثم اختار ابن جرير أنه الذي لا يفضل عن قوته وقوت عياله في يومه ذلك ما يخرج به كفارة اليمين « 1 » . واختلف العلماء : هل يجب فيها التتابع أو يستحب ولا يجب ، ويجزئ التفريق ؟ قولان : أحدهما لا يجب وهذا منصوص الشافعي في كتاب الأيمان ، وهو قول مالك لإطلاق قوله فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ وهو صادق على المجموعة والمفرقة ، كما في قضاء رمضان لقوله فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ * ونص الشافعي في موضع آخر في الأم على وجوب التتابع ، كما هو قول الحنفية والحنابلة ، لأنه قد روي عن أبي بن كعب وغيره أنهم كانوا يقرءونها « فصيام ثلاثة أيام متتابعات » . قال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع ، عن أبي العالية عن أبي بن كعب أنه كان يقرؤها « فصيام ثلاثة أيام متتابعات » وحكاها مجاهد والشعبي وأبو إسحاق عن عبد اللّه بن مسعود ، وقال إبراهيم في قراءة أصحاب عبد اللّه بن مسعود « فصيام ثلاثة أيام متتابعات » . وقال الأعمش كان أصحاب ابن مسعود يقرءونها كذلك ، وهذه إذا لم يثبت كونها قرآنا متواترا ، فلا أقل أن يكون خبرا واحدا أو تفسيرا من الصحابة وهو في حكم المرفوع . وقال أبو بكر بن مردويه : حدثنا محمد بن علي ، حدثنا محمد بن جعفر الأشعري ، حدثنا الهيثم بن خالد القرشي ، حدثنا يزيد بن قيس عن إسماعيل بن يحيى ، عن ابن جريج ، عن ابن عباس قال : لما نزلت آية الكفارات قال حذيفة : يا رسول اللّه نحن بالخيار ؟ قال « أنت بالخيار إن شئت أعتقت ، وإن شئت كسوت ، وإن شئت أطعمت ، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعات » وهذا حديث غريب جدا . وقوله ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ أي هذه كفارة اليمين الشرعية وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ . قال ابن جرير « 2 » : معناه لا تتركوها بغير تكفير كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ أي
--> ( 1 ) تفسير الطبري 5 / 30 - 32 . ( 2 ) تفسير الطبري 5 / 32 - 33 .